السيد كمال الحيدري
347
التوحيد (بحوث في مراتبه ومعطياته)
قوله سبحانه : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِى الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ « 1 » . فقوله : « يعلم ما يلج » وما يليه ، يجرى مجرى التفسير للاستواء على العرش ، فالعرش مقام العلم ، كما أنّه مقام التدبير العامّ الذي يسع كلّ شئ ، وكلّ شئ في جوفه « 2 » . هذا الذي يستخلصه الطباطبائي في هذه الرؤية للعرش ، ينسجم مع ما نصّت عليه الروايات ، كما أنّه يتّسق مع منهجية البحث في هذا الكتاب التي تعاملت مع العرش والكرسي بوصفهما مرتبتين من مراتب العلم الإلهى الفعلي ، لهما علاقة وثيقة بشؤون الربوبية والتدبير الإلهى للوجود . نتائج هذه الرؤية يخلص الطباطبائي ونحن متّفقون معه إلى بعض النتائج التي تتقاطع بالكامل مع ضروب الفهم الأخرى السائدة في فكر المسلمين حول العرش ، أهمّها : أوّلًا : ليس المقصود من العرش ظاهر معناه ، كما ذهب إليه فريق من المسلمين ، حين حملوا الكلمة على ظاهر معناها فصار العرش عندهم مخلوقاً كهيئة السرير له قوائم ، وهو موضوع على السماء السابعة ، والله سبحانه مستوٍ عليه كاستواء الملوك على عروشهم . وأكثر ما يذهب إليه هذا الاتجاه الذي يتبنّاه المشبّهة من المسلمين ، أنّ العرش والكرسي شئ واحد . ثانياً : يرفض الطباطبائي أن يكون العرش هو الفلك التاسع المحيط بالعالم الجسماني ، وما يلحق بذلك من فرضيات مستمدّة من علم الهيئة البطليموسى
--> ( 1 ) الحديد : 4 . ( 2 ) الميزان في تفسير القرآن ، ج 8 ، بحث عن العرش ، ص 172 148 .